الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
211
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والاستفهام في قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ مستعمل في الحث واللوم على خذلانهم وترك الاهتمام بما هم فيه من عذاب . وجيء بالجملة الاسمية الدالة على الثبات ، أي هل من شأنكم أنكم مغنون عنّا . و مُغْنُونَ اسم فاعل من أغنى غناء بفتح الغين والمدّ ، أي فائدة وإجزاء . والنصيب : الحظ والحصة من الشيء ، قال تعالى : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ إلى قوله : نَصِيباً مَفْرُوضاً [ النساء : 7 ] . وقد ضمّن مُغْنُونَ معنى دافعون ورادّون ، فلذلك عدي إلى مفعول وهو نَصِيباً أي جزءا من حر النار غير محدد المقدار من قوتها ، و مِنَ النَّارِ بيان ل نَصِيباً كقوله تعالى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ إبراهيم : 21 ] فهم قانعون بكل ما يخفف عنهم من شدة حرّ النار وغير طامعين في الخروج منها . ويجوز أن يكون مُغْنُونَ على معناه دون تضمين ويكون نَصِيباً منصوبا على المفعول المطلق لمغنون والتقدير غناء نصيبا ، أي غناء ما ولو قليلا . و مِنَ النَّارِ متعلقا ب مُغْنُونَ كقوله تعالى : وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ يوسف : 67 ] . ويجوز أن يكون النصيب الجزء من أزمنة العذاب فيكون على حذف مضاف تقديره : من مدة النار . ولما كان جواب الذين استكبروا للذين استضعفوا جاريا في مجرى المحاورة جرّد فعل قالَ من حرف العطف على طريقة المحاورة كما تقدم غير مرة . ومعنى قولهم : إِنَّا كُلٌّ فِيها نحن وأنتم مستوون في الكون في النار فكيف تطمعون أن ندفع عنكم شيئا من العذاب . وعلى وجه أن يكون قول الضعفاء إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً إلى آخره توبيخا ولوما لزعمائهم يكون قول الزعماء إِنَّا كُلٌّ فِيها اعترافا بالغلط ، أي دعوا لومنا وتوبيخنا فقد كفانا أنا معكم في النار وتأكيد الكلام ب ( إنّ ) للاهتمام بتحقيقه أو لتنزيل من طالبوهم بالغناء عنهم من عذاب النار مع مشاهدتهم أنهم في العذاب مثلهم ، منزلة من يحسبهم غير واقعين في النار ، وفي هذا التنزيل ضرب من التوبيخ يقولون : ألستم تروننا في النار مثلكم فكيف نغني عنكم . و كُلٌّ مرفوع بالابتداء وخبره فِيها والجملة من المبتدأ وخبره خبر ( إنّ ) وتنوين ( كل ) تنوين عوض عن المضاف إليه ، إذ التقدير : إنا كلّنا في النار . وجملة إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ تتنزل منزلة بدل الاشتمال من جملة إِنَّا كُلٌّ